عماد الدين خليل

44

دراسة في السيرة

فتستطيع السمو والتحليق ، لقلنا : إن ظواهر هذه الآثار مقصودة ، ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك ، بل من البديهي أنه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق . وإذا اتصل الأمر بالحدود التي يعمل الروح في نطاقها ، أو بتعبير آخر ، عندما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف الوسائل التي يسير بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم ، يصبح البحث لا جدوى منه ، لأنه فوق الطاقة . وشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الآثار ، أن بشرا ممتازا كمحمد صلى اللّه عليه وسلم لا تدعه العناية عرضا للوساوس الصغيرة التي تتناوش غيره من سائر الناس . فإذا كانت هناك ( موجات ) تملأ الآفاق ، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها ، فقلوب النبيين - بتولي اللّه لها - لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها ، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدني ، وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه ، فقد عافاهم اللّه من لوثاته » « 1 » . وهذا يكفي . . فما دمنا بصدد تحليل المؤثرات البيئية والوراثية والغيبية في تكوين الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتهيئته للرسالة ، فإن حادثة شق الصدر تقف في القمة من المؤثرات جميعا ، صياغة روحية - مادية لشخصية النبي الإنسان ، وتهيئة من لدن العليم بمنسربات النفوس ، الخبير بتعقيدات الشخصية البشرية . . لكي يكون هذا الرجل بالذات ، ووفق تكوينه الموجّه هذا ، قادرا على التقاط إشارة السماء ومقابلة الوحي ، وتحمل المسؤولية ، نبيا إلى الناس جميعا ، صعدا بهم إلى القمم الشامخة التي تنقطع دونها أنفاس الرجال ! ! وعلى قدر ما تشح الروايات والأحاديث عن حياة الرسول الإنسان قبل مبعثه . . على قدر ما تزيد وتتسع لكي تمنحنا ما فيه الكفاية عن العالم الذي ولد فيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أمر معروف أيضا . . إن المدى يتسع هنا لكي يحتوي في دوائره الممتدة شيئا فشيئا ، عشائر وقبائل وشعوبا وأمما كانت قد مهدت بممارساتها وتوقعاتها في الوقت نفسه الطريق إلى المولد الجديد . . بالأحرى إن تاريخ العالم كله ، في فترة قد تتجاوز الأربعة أو الخمسة قرون ، بعد استنفاد النصرانية دورها ومهمتها ، هي الساحة التي تهم الباحثين في مجال كهذا ، وما أكثر

--> ( 1 ) فقه السيرة ص 64 - 65 .